عبد الرحمن الأنصاري الدباغ

69

معالم الإيمان في معرفة أهل القيروان ( تعليق التنوخي )

بضع وعشرين سنة ، فلمّا وصل عبد اللّه بن الزبير إلى المدينة وأخبر عثمان رضي اللّه تعالى عنه « 1 » بما كان من الفتح ، أمره عثمان رضي اللّه تعالى عنه أن يقوم بذلك خطيبا في مسجد رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم وقال : أنا وهبت لك ذلك ، فقام أمير المؤمنين عثمان رضي اللّه تعالى عنه خطيبا في الناس ، فحمد اللّه وأثنى عليه ثم قال : أيها الناس إن اللّه فتح عليكم إفريقية ، وهذا عبد اللّه بن الزبير يخبركم خبرها إن شاء اللّه تعالى . وكان عبد اللّه إلى جانب المنبر فقام وقال : الحمد للّه الذي ألّف بيننا بعد الفرقة ، وجعلنا متحابين بعد البغضة الذي لا تجحد نعماؤه ولا يزول ملكه ، له الحمد كما حمد نفسه ، وكما هو أهله ، انتخب محمد صلّى اللّه عليه وسلّم واختاره بعلمه ، وائتمنه على وحيه ، واختار له من الناس أعوانا قذف في قلوبهم تصديقه ومحبّته ، فآمنوا به وعزّروه ووقّروه ، وجاهدوا في اللّه حق جهاده فاستشهد اللّه منهم من « 2 » استشهد على المنهاج الواضح ، والبيع الرّابح ، وبقي منهم من بقي لا تأخذه في اللّه لومة لائم ، أيها الناس « 3 » رحمكم اللّه تعالى إنا خرجنا للوجه الذي علمتم ، فكنا مع وال حافظ حفظ وصيّة أمير المؤمنين فكان يسير بنا الأبردين « 4 » ويخفض بنا في الظهائر ، ويتخذ اللّيل جملا ، يتعجل « 5 » التّرحيل إلى المنزل المقر ، ويطيل اللّبث في المنزل الخصب ، فلم يزل على أحسن حالة نعرفها من ربنا حتى انتهينا إلى إفريقية ، فنزلنا بها حيث يسمعون صهيل الخيل ورغاء الإبل وقعقعة السّلاح ، فأقمنا أيّاما ننجم كراعنا ونصلح سلاحنا ، ثم دعوناهم إلى الإسلام والدّخول فيه فأبعدوا منه فسألناهم الجزية عن صغار أو الصّلح فكانت هذه أبعد ، فأقمنا فيهم ثلاث عشرة ليلة ننتظر بهم وتختلف رسلنا إليهم ، فلمّا يئس منهم قام خطيبا فحمد اللّه تعالى وأثنى عليه ، ثم ذكر فضل الجهاد وما لصاحبه إذا صبر واحتسب ؛ ثم نهز إلى عدوّه فقاتلناهم أشدّ القتال يومنا ذلك ، وصبر الفريقان فكانت بيننا وبينهم مقتلة كبيرة ، واستشهد اللّه رجالا من المسلمين فباتوا وبتنا وللمسلمين دويّ كدويّ النّحل ، وبات المشركون في

--> ( 1 ) سقطت صيغة الترضي من : ت . ( 2 ) في ت : ما . ( 3 ) في ت : اعلموا رحمكم . ( 4 ) الأبردين : وقت الصبح ، وبعد العصر وهما طرفي النهار . ( 5 ) في ت : يعجل .